الثلاثاء 15 محرم 1440 / 25 سبتمبر 2018

الأخبار » محليات »
الباحة .. الشعر ينسج قلائد الغزل للغيم والقمر
الثلاثاء 15 محرم 1440 / 25 سبتمبر 2018

الباحة .. الشعر ينسج قلائد الغزل للغيم والقمر

02-18-1436 12:54 AM
(الباحة اليوم) احمد راشد :: عرض الزميل بخيت طالع الزهراني مقالا مطولا عن رحلة له الى الباحة , بأسلوب كتابة أدب الرحلات المعروف , وهو الأسلوب الذي اتبعه في كتابة أثنين من مؤلفاته " إندونيسيا – مشاهدات سائح " .. و " ماليزيا – مشاهدات صحفي سائح " .. حيث روى في رحلته تلك للباحة قصة : " الشعر .. ينسج قلائد الغزل للغيم والقمر " .. هنا نص ما نسجه قلم الزميل بخيت :

عندما كانت طائرتنا تقترب من مطار الباحة , كنت أرى من النافذة التي كنت أتكئ عليها عشرات الشعاب والأودية والهضاب تنتشر حول المطار في صورة بانورامية مدهشة ، وماهي غير دقائق حتى حط طائرنا الميمون فوق صفحة المطار , الذي اتخذ مكاناً جنوبياً غربياً من مدينة العقيق ، تلك المدينة الواعدة والحالمة في آن , كواحدة من مدن منطقة الباحة الواقعة في محيط الانحدار الشرقي لجبال السروات ، فوق فضاء واسع من السهول التي لا تخلو من تجمعات هضاب متناثرة هنا وهناك , فيما شكل وادي العقيق العملاق خطاً منحنياً يحيط بالمدينة من جنوبيها وشرقيها , كما لو كان حارساً تاريخياً لها لا تغمض عيناه .

كنا مجموعة من الإعلاميين والشعراء المدعوين لحضور فعاليات جائزة ومهرجان الشعر العربي الثاني , التي استضافها نادي الباحة الادبي في الفترة من 4 – 6 نوفمبر 2014 .. وعندما وطئت أقدامنا أرض المطار كان الوقت قبيل أذان صلاة الظهر من يوم الاثنين 4 نوفمبر , وكان من البشارات الجميلة أن الطقس كان في معدل 24 - 13 درجة مئوية ، طقس ربيعي يمثل أجمل أوقات منطقة الباحة على مدار العام كله .

ومطار الباحة في الواقع هو أحد المطارات الاقليمية الـ 27 بالسعودية ، ويقع مدرجه الرئيسي والوحيد فوق هضبة مستطيلة مرتفعة عن الارض , في تكوين طبيعي جعل منه حالة فريدة ولافتة , وقد أنشئ عام 1402 – 1982 في محافظة العقيق التي تبعد شمالا عن مدينة الباحة قاعدة المنطقة بـ 45 كم .. والمطار يستقبل طائرات الخطوط السعودية في رحلات (جدة والدمام والرياض) , وطيران سما في رحلات (المدينة والرياض) , ومصر العالمية للطيران رحلة (القاهرة) رحلة دولية واحدة فقط , وبدأ تسيير الرحلات الدولية منذ ديسمبر 2013هـ .

ويعد ذلك المطار أحد المنجزات التنموية المهمة , في عهد الأمير الأسبق للمنطقة المرحوم الشيخ إبراهيم بن عبدالعزيز الإبراهيم , الذي تولى إمارة الباحة منذ عام 1398 وحتى استشهاده رحمه الله عام 1406 في حادث سيل بمنطقة حائل , ولازال أهل الباحة يتذكرونه بكل خير لإخلاصه ومنجزاته الكثيرة خلال فترة اماراته التي لا تنسى .وكان مندوبون من النادي الأدبي في استقبالنا , ونقلنا من المطار مباشرة إلى مدينة الباحة , في محاولة لاهثة للحاق بالحفل الرئيسي لجائزة الباحة الثقافية تحت رعاية سمو أمير المنطقة الأمير مشاري بن سعود ، غير أنني في واقع الأمر كنت أتمنى لو وصلنا مبكرين بساعتين ، حيث كنت أضمر في داخلي القيام بجولة سريعة على بعض أحياء مدينة العقيق ، ذلك المكان الذي كان يوماً ما يسمى ( سلة غذاء الباحة ) قبل أن يجف واديه، وتتصحر مزارعه، ويموت الكثير من نخيله واقفاً ، فأنا ممن عاش ذلك الزمن الجميل للعقيق , إبان دراستي بالصف السادس الابتدائي هناك مع عائلتي برفقة والدي رحمه الله , عندما كان يعمل هناك , ويوم كان العقيق جنة من جنان الله في أرضه , ويوم كان واديه دائم الجريان بالمياه على مدار العام ، ويوم كانت آباره العادية تترع بالمياه على مسافة لا تزيد عن 8 أمتار تحت سطح الأرض ، ويوم كانت بساتين النخيل تملأ كل الأحياء ، ويوم كان (حيّ خِدعه ) في شمال المدينة مزارع أسطورية تضخ الخضار والفواكه لكل المنطقة .

وعلى أية حال فإن العقيق قد تماهى كثيراً مع معطيات التنمية فقامت أحياء جديدة ، وأسواق كثيرة ، وحدائق وميادين جميلة , وتُوج كل ذلك بإقامة جامعة الباحة في الطرف الجنوبي من المدينة عام 1426هـ , وتضم الآن 25 كلية موزعة بين العقيق (أكثرها) وبين المندق وقلوة وبلجرشي والمخواة.

وخلال رحلتنا بالسيارة من العقيق إلى الباحة حاولت أن أقوم بدور المرشد السياحي لرفاق رحلتنا ، وأن أجيب على أسئلة بعضهم ومنهم الأستاذ فهد الشريف مدير تحرير الشؤون الثقافية بصحيفة المدينة ، غير أنني تفاجأت بضيف عزيز كان معنا وتعرفنا عليه , فكان هو الآخر من أبناء المنطقة وقبيلة غامد، فكان من الأولى أن يتولى هو الشرح , خصوصاً والجزء الذي كنا نسير فيه هو أرض قبيلة غامد، فتنازلت عن ذلك له على طريقة ( أهل مكة أدرى بشعابها ) .

وبالفعل فقد استمعنا واستمتعنا بمعلومات جميلة من الدكتور الشاعر متعب آل محفوظ الغامدي , وهو يذكر لنا أسماء من قرى غامد واحدة بعد الأخرى ممن كنا نمر عليها , بدءاً بالعقيق الواقعة في بادية غامد , والتي تضم سدين زراعيين هما سد العقيق وسد ثراد , ويتبعها مراكز كل من (جرب , وكرا , ووراخ , والبعيثة , والجاوة , وجرد (مركز جرد هو قاعدة بادية بني كبير).

ويظل من أبرز الآثار التاريخية في بادية العقيق طريق الفيل , الذي سلكه أبرهة الحبشي في خطوته العاثرة لهدم الكعبة المشرفة , في النصف الأول من القرن السادس الميلادي .. أما بقية قرى غامد في محيط الطريق من المطار إلى مدينة الباحة فهي (الكرّا ، جِدرة ، بني فروة ، الحِمدة، بشير، والسواد ) .. وبعد ذلك مدينة الباحة التي تتبع لقبيلة بني عبدالله وكذلك بلدة الظفير.

وعندما وصلنا مدينة الباحة بدت أمامنا كعروس قروية فاتنة في يوم (صباحيتها) تتخضب بالحناء ، وترسم بها زخارف باذخة من الجمال فوق كفيها وعلى أطراف قدميها ، وتفوح ملابسها الزاهية برائحة الكادي والريحان والبعيثران , القادم من مزارع قرية ذي عين الأثرية الاسطورية.
لكن يظل من الواضح رغم كل ذلك الجمال أن الباحة - المدينة - قد ضاقت عليها الأرض بما رحبت ، فقد تكدست بالمباني والسيارات حتى التخمة , ومؤشر ذلك أن شوارع أسواقها القديمة قد اختنقت , ما أضطر إدارة المرور إلى حلول أشبه بالمسكنات عندما حولت اتجاهي السير فيها إلى اتجاه واحد منذ أربع سنوات ، وهذا ما يزيد القناعة بأنها لن تكون مدينة المستقبل بحال ، وهذا الرأي سبق وأن طرحته في مقال سابق لي , قلت فيه : لابد من بديل جذري أو من مكان واسع آخر تقام فيه المرافق الرسمية على الأقل , كما فعلت ماليزيا مع عاصمتها الاقتصادية كوالالمبور عندما بنت بجانبها مدينة أخرى عام 2010 وعلى مسافة 20 كم عنها وهي مدينة بوتراجايا.

وفي القاعة الرسمية للاحتفالات بوسط الباحة - قاعة الأمير فيصل بن محمد - بجوار إدارة التربية والتعليم جرت مراسم الحفل الباذخ للجائزة , بحضور الأمير مشاري بن سعود أمير منطقة الباحة ، وألقى رئيس النادي الأدبي بالباحة الشاعر حسن بن محمد الزهراني كلمته الجميلة والبليغة والتي كانت شعراً , ثم تحدث الشاعر المكرم لهذا العام على الدميني مع زميله المكرم الثاني الشاعر د. صالح بن سعيد الزهراني .. فقدم الدميني في ثنايا كلمته رؤية ثقافية ومقترحاً جميلاً بأن تكون الجائزة مستقبلاً على فرعين , الأول لمثقف على مستوى الوطن , والثاني على مستوى الباحة ، والواقع أنها أول مرة بالنسبة لي اسمع الدميني وأراه مباشرة , وإذ بابن قرية محضرة يتمدد في فضاء رحب من التجربة الثرية في ميدان الشعر الحداثي وخصوصاً في الثمانينات ، واذ بذلك المهندس الميكانيكي الحاصل على البكالوريوس من جامعة الملك فهد بالظهران يكون هو نفسه المشرف على ملحق المربد بصحيفة (اليوم) قبل أكثر من عقدين , وهو ذاته الذي أسس مجلة (النص الجديد) وقدم للحياة والناس مجموعة من الدواوين الشعرية ومنها (رياح المواقع ، بياض الأزمنة ) بالإضافة إلى روايته الوحيدة " الغيمة الرصاصية " .
وخلال ذلك الحفل البهيج اندهشنا حتى حدود الامتلاء ، ونحن نتابع الفيلم الوثائقي الذي صور جانباً من حياة ( الشنفري ) ذلك العدّاء والصعلوك والشاعر الجاهلي , حتى كأنما بعث من قبره ليسمع صدى لاميته (لامية العرب ) تلك القصيدة الباذخة ذات الـ 69 بيتا , والتي ترجمت إلى الإنجليزية واليونانية وغيرهما , وهي التي كان نظمها الشنفرى وهو يتردد بين جبال وأودية الباحة ، وبالفعل فقد كان الفيلم الوثائقي ترجمة فارهة للشنفري (ثابت بن أوس الأزدي الزهراني) الذي توفي عام 70 قبل الهجرة , مخلفاً وراءه واحدة من عيون الشعر العربي , حيث ثبت أنه نشأ بين اخواله وأهله في بني سلامان من قبيلة دوس المشهورة في زهران بمنطقة الباحة.

والواقع أننا قضينا ثلاثة أيام مرّت كالحلم , في رحاب الباحة الساحرة بغيمها وكاديها وشيحها وبلابلها ووردها البري , وبعسل أصاديرها وخبزها التقليدي (المُقنّى) .. عشناها نقتات الشعر بشهية عجيبة , على ايقاعات نسائم جبالها الشاهقة ومدرجاتها الزراعية الزاهية ، ورأينا الباحة وهي تترنم بأعذب الشعر الذي راح ينسج قلائد الغزل للغيم والقمر .. وفي حضور أكثر من 100 شاعر وشاعرة وناقد عربي من المغرب والجزائر غربا , إلى الشارقة شرقاً .. فكان الانصات إلى نشيد الأرواح الذي حلق بالمناسبة في فضاء خارج الزمان والمكان ، ورسم من الباحة الأمل , أو كما قال شاعرها الأول حسن الزهراني رئيس النادي الأدبي : (ها نحن نرسم من الباحة أملاً بأن نعيد بالكلمة الشاعرة لهذا العالم الأمن والسلام والمحبة ، ونغسل بالقافية الطروب كل الأحزان والكوارث والطروب والأكدار ، ها نحن نرسم بالمجاز الفاره خارطة جديدة للعالم ، بيضاء كقلوب الشعراء ، شاسعة كخيالاتهم الرحبة).

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 938


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


صحيفة الباحة اليوم
مساحة إعلانيه

التعليقات
86556 جلوي 02-19-1436 03:41 PM
يستاهل كاتب مجتهدومخلص لعمله

[جلوي]
0.00/5 (0 صوت)


/10 ( صوت)
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.