الإثنين 15 صفر 1441 / 14 أكتوبر 2019

الأخبار » تقارير سياحية »
قطار الحجاز ماضي وآمال
الإثنين 15 صفر 1441 / 14 أكتوبر 2019

قطار الحجاز ماضي وآمال

10-22-1433 01:09 AM
 (( الباحة اليوم )) ..

جمع وإعداد / مسفر المالكي
تصوير / عاصم البلوي :



image



يعتبر خط سكة حديد الحجاز من أروع إنجازات السلطان العثماني عبد الحميد الثاني من الناحية السياسية والدينية والحضارية؛ إذ استطاع هذا المشروع العملاق الذي امتد العمل فيه ثماني سنوات متتالية أن يقدم خدمات جليلة لحجاج بيت الله الحرام، تمثلت في اختصار وقت هذه الرحلة الشاقة التي كانت تستغرق شهورًا، يتعرضون فيها لغارات قطاع الطرق ومخاطر ومشاق الصحراء، فأصبحت الرحلة بعد إنشاء هذا الخط الحديدي الذي بلغ طوله (1320) كم تستغرق أيامًا معدودة ينعمون فيها بالراحة والأمان..

وعاش المسلمون في كافة البلدان حلم إنشاء الخط الحجازي، وتابعوا مراحل إنشائه، وتبرعوا له من أموالهم، وغطت هذه التبرعات ثلث تكاليفه، وتفجرت الحماسة الدينية في قلوب المسلمين، فالتفوا حول الخلافة العثمانية وسلطانها بعد فترة طويلة من الركود

وتجلت هذه المشاعر الفياضة في حماسة العمل وسرعة إنجازه، وعندما وصل أول قطار إلى المدينة المنورة حاملا الحجاج انهمرت الدموع، وانهالت الدعوات للسلطان عبد الحميد
.


image


السلطان عبدا لحميد يتحدث عن خط الحديد في مذكراته قائلا .
إن خط حديد الأناضول هو خير رد على من يتهمني بالرجعية ومعاداة الثورة والسعي لمنع تسربها إلى البلاد. بعد أن تخلصنا من بعض الآثار المدمرة التي خلفتها الحرب الروسية، بذلت ما في وسعى للعمل على سرعة مد خط حديد الأناضول، والهدف من هذا الخط، هو ربط شرق البحر المتوسط وبغداد بالأناضول والوصول إلى خليج البصرة. وقد تم انجاز هذا المشروع بنجاح بفضل المساعدة الألمانية.

التنافس الشديد بين الدول الكبرى حول إنشاء الخطوط الحديدية في امبراطوريتنا أمر مستغرب يدعو إلى الشك. إن أهمية الخطوط الحديدية ليست حصرا على الناحية الاقتصادية بل تتعداها إلى الناحية السياسية أيضا وإن تناست الدول الكبرى هذا الأمر. والتنافس حول خط حديد بغداد بدأ يأخذ شكلا بشعا. أربع دول كبرى تشترك بهذه الحلبة، لا يتورع سفراؤهم عن استخدام كل الوسائل في سبيل استمرار الصراع غير المعلن بينهم، حقا انه منظر يمتع ناظريه.

فإنجلترا وفرنسا مزقتا أثواب وقارهما، أما ألمانيا فقد سلكت مسلكا حسنا، والصحافة الانجليزية والفرنسية بل والروسية أيضا تختلق الأكاذيب دون أي حرج، لبث الشكوك بيننا وبين الألمان
.

وعن سبب إعطاء الألمان المشروع فيقول :

يقال إنني عندما أعطيت امتياز إنشاء خط حديد الأناضول للمصرف الألماني، قبلت بشروط غير ملائمة طمعا في كسب صداقة الإمبراطور الألماني. والحقيقة أن الأجر الذي تعهدنا بدفعه عن كل كيلومتر مبلغ كبير، لكن نبوءة الذين قالوا بأن المؤسسة الحديدية ستؤول إلى الإفلاس لم تتحقق. وقد أظهرت الميزانية السنوية الأخيرة لعام 1899م أن الصرفيات قد عادلت الواردات، ولن يمر وقت طويل حتى تكون المدفوعات الكيلومترية التي التزمناها قد انتهت تلقائيا.


image



وعن الجدوى الاقتصادية المهمة للمشروع يقول :
إن خبرتي في المحاسبات ليست سيئة، وحساباتي الشخصية دليل على ذلك. إنني على يقين من أن إنشاء خط حديد الأناضول أمر مهم بالنسبة لنا بقدر ما هو مهم للمصرف الألماني، لقد تحملوا بعض المصاريف فطبيعي أن يكون لهم نصيب من الأرباح، ثم تبقى لنا بعد ذلك حصة الأسد. يفهم من التقارير الواردة أن المناطق التي يمر منها الخط الحديدي تزداد انتعاشا وثراء، وهكذا وجدنا أراضي ملائمة لتوطين المسلمين المهاجرين من أوروبا. ويقال إن عدد المسافرين على هذا الخط في تزايد مستمر. لكن المهم هو نقل البضائع، فهذا هو الأساس عندي.


image


سياسة عليا
كان إنشاء خطوط السكك الحديدية لربط أجزاء الدولة العثمانية المترامية الأطراف سياسة عليا للسلطان عبد الحميد الثاني، فالشام والحجاز لم يشهدا خطوطًا حديدية إلا في عهده، فكان الخط الحديدي من يافا إلى القدس سنة (1306هـ 1888م) أول الخطوط الحديدية في الشام، واستهدف السلطان من إنشائه خدمة الحجاج المسيحيين القادمين من أوروبا بحرًا إلى يافا، وبلغ طول هذا الخط (87) كم، كذلك تم إنشاء خط حديدي بين دمشق وبيروت بطول ( 147) كم كان يقطعها القطار في ست ساعات
كان الحجاج المسلمون يلاقون صعوبات كبيرة أثناء تأديتهم هذه الفريضة قبل إنشاء الخط الحجازي، منها طول المسافة حيث كان طريق الحج العراقي يقترب من (1300) كم، وتستغرق الرحلة فيه شهرًا كاملاً. أما طريق الحج المصري فيبلغ من سيناء (1540) كم، ويستغرق أربعين يومًا، ويزيد خمسة أيام من طريق عيذاب. وطريق الحج الشامي يمتد (1302) كم، وتستغرق الرحلة فيه أربعين يومًا. أما حجاج المناطق النائية من العالم الإسلامي فكانت رحلتهم تستغرق ستة عشر شهرًا وأكثر؛ وهو ما جعل بعض الأغنياء يتقاعسون عن أداء الحج، نظرًا لطول المسافة ومشاق السفر، وندرة المياه، وغارات قطاع الطرق وقتلهم لبعض الحجاج وسلب أموالهم
.

بواعث الإنشاء.. والتمويل

تكاد تنحصر أهداف السلطان عبد الحميد في إنشاء الخط الحجازي في هدفين أساسيين مترابطين، أولهما: خدمة الحجاج بإيجاد وسيلة سفر عصرية يتوفر فيها الأمن والسرعة والراحة. أما الهدف الثاني: فدعم حركة الجامعة الإسلامية التي كانت تهدف إلى تكتيل جميع المسلمين وتوحيد صفوفهم خلف الخلافة العثمانية لمواجهة الأطماع الأوروبية في العالم الإسلامي .

وقامت حركة الجامعة الإسلامية على دعامتين أساسيتين، هما: الخلافة والحج، لذلك أراد أن يتخذ من الحج وسيلة عملية كي يلتف المسلمون حول الخلافة، وربط إنشاء الخط الحديدي الحجازي بحركة الجامعة؛ فيظهر أمام العالم الإسلامي بصورة الخليفة حامي وخادم الحرمين الشريفين، وبذلك يستقطب المسلمين نحو حركة الجامعة الإسلامية.

واجهت المشروع صعوبات تمويلية، منها ضخامة تكلفته التي قدرت بنحو 3.5 ملايين ليرة عثمانية، والأزمة المالية التي تواجهها الدولة العثمانية، فضلاً عن ذلك فإن السلطان عبد الحميد أراد أن يضفي على مشروعه الطابع الإسلامي؛ ومن ثم أراد أن يتم إنشاء المشروع برأسمال إسلامي دون اللجوء إلى بيوت المال الأجنبية الربوية، فوجه عبد الحميد نداءً إلى العالم الإسلامي عبر سكرتيره "عزت باشا العابد" للتبرع للمشروع. ولقي هذا النداء استجابة تلقائية من مسلمي العالم وانهالت التبرعات، وكان اتساع نطاق هذه التبرعات مظهرًا عمليًا لحركة الجامعة الإسلامية.

تبرع السلطان بمبلغ (320) ألف ليرة من ماله الخاص. وتبرع شاه إيران بخمسين ألفًا، وأرسل خديوي مصر عباس حلمي الثاني كميات كبيرة من مواد البناء، وتألفت في سائر الأقطار الإسلامية لجان لجمع التبرعات.

وأصدرت الدولة العثمانية طوابع تمغات لمصلحة المشروع، وأصدرت أوامر بقطع 10% من رواتب موظفي الدولة لصالح المشروع، وجمعت جلود الأضاحي وبيعت وحولت أثمانها إلى ميزانية الخط، وبذلك انتقلت حماسة إنشاء الخط الحجازي إلى العالم الإسلامي، وكان مسلمو الهند من أكثر المسلمين حماسة له؛ وهو ما أثار غضب بريطانيا، فوضعت العراقيل أمام حملات جمع التبرعات حتى إنها رفضت أن يرتدي المسلمون الهنود الذين اكتتبوا في الخط الأوسمة والنياشين العثمانية.

ولم تقتصر تبرعات وإعانات المسلمين على الفترات التي استغرقها بناء الخط فحسب، بل استمر دفعها بعد وصوله إلى المدينة المنورة؛ أملاً في استكمال مدّه إلى مكة المكرمة
.



image



تنفيذ وعقبات

تشكلت لجنتان - بعد قرار السلطان عبد الحميد- للإشراف على تنفيذ المشروع، الأولى برئاسة عزت باشا العابد ومقرها إستانبول، والأخرى للتنفيذ ومقرها دمشق برئاسة والي الشام. وقام مهندس عثماني بمسح المنطقة التي يمر بها الخط بين دمشق والمدينة المنورة، وكانت سياسة الدولة العثمانية آنذاك هي الاعتماد على المهندسين المسلمين وعدم جلب مهندسين أجانب إلا عند الضرورة.

وتتبع الخط الحجازي بصفة عامة الطريق القديم الذي كانت تسلكه قوافل الحجاج، ولم يحد عنه إلا في بعض المناطق الوعرة، وتم تخصيص بعض القوات العسكرية لحماية العاملين في المشروع من غارات قطاع الطرق



واحتفل ببدء المشروع في (جمادى الآخرة 1318هـ سبتمبر 1900م) وابتدأ العمل في منطقة المزيريب من أعمال حواران ببلاد الشام، ثم قررت الحكومة العثمانية إيصال الخط الحجازي إلى دمشق، لذلك قررت إنشاء خط درعا – دمشق، وباشرت العمل من دمشق ومزيريب في وقت واحد، وعهدت إلى مهندسين ألمان بإنشاء الخط، لكنها لم تسمح إلا للمهندسين المسلمين بالعمل في مد الخط في المنطقة الواقعة بين العلا والمدينة المنورة.

صادف المشروع عقبات كثيرة، كان على رأسها نقص المياه، وأمكن التغلب على ذلك بحفر آبار وإدارتها بمضخات بخارية أو طواحين هواء، وجلبت المياه في صهاريج تسير على أجزاء الخط التي فرغ من مدّها.

ولمواجهة نقص العمال وتوفير النفقات استخدمت قواتٌ من الجيش العثماني بلغ عددها زهاء ستة آلاف جندي ومائتي مهندس كانوا يعملون في الخط بصفة دائمة. كذلك كانت السيول الجارفة إحدى العقبات التي شكلت خطورة كبيرة وحقيقية على الخط الحجازي في مرحلتي البناء والتشغيل؛ لذلك قام المهندسون بإنشاء مصارف للسيول على طول الخط الرئيسي.

أما الرمال المتحركة التي تعرض صلابة الخط للخطر وتؤدي إلى انقطاع الحركة بتحرك الخط عن مكانه فأمكن التغلب عليها بتغطية منطقة الرمال المتحركة بطبقة من الصلصال، وبُني سد حجري ضيق يمتد موازيًا للخط الحجازي ليحول دون خطر تغطيته بالرمال المتحركة. أما مشكلة الوقود فتم استيراد الفحم من الخارج وأقيمت مستودعات ضخمة لتخزينه
.

محطاته التابعة لمنطقة المدينة المنورة

موقع البريكة: تقع على درب الحج وذلك بوادي وصول شمال مدينة العلا بنحو 100 كيلومتراَ، ويشمل الموقع على بركة قديمة هدم جزء منها بالإضافة إلى جدار تحويل الماء للبركة وقلعة صغيرة هدم جزء منها أيضاً كما عثر على بعض قطع الفخار الإسلامي.



محطة الدار الحمراء: تقع بمحاذاة البريكة، ويحتوي الموقع على مبنى استراحة السكة الحديد والذي بني بالحجر في عام 1326هـ وتحيط به ثلاث مباني، وبعض الجدران، كما يوجد بعض المباني على مسافة 5 كم جنوب شرق المحطة.

محطة المطلع: تقع جنوب شرق محطة دار الحمراء بحوالي 24كيلومتراَ، ويشتمل الموقع على مبنى استراحة السكة الحديد ، وهو مشيد بالحجر المشذب في عام 1325هـ، بالإضافة إلى ثلاث مباني جنوب الاستراحة، وبعض المباني المشيدة بالأحجار فوق جبل، وعلى مسافة نحو 10 كيلومترات شمال شرق المحطة.

• محطة أبو طاقة: تقع جنوب محطة المطلع بنحو 19 كيلومتراَ على فرع وادي الحمضة، ويحتوي الموقع على مبنى استراحة السكة الحديد ، ومشيد بالحجر المشذب في عام 1325هـ، كما يوجد حولها بعض المباني.

محطة مبرك الناقة: تقع جنوب محطة أبو طاقة بنحو 16 كيلومتراَ، ويحتوي الموقع على مبنى استراحة السكة الحديد من الحجر المشذب، كما توجد بعض الجدران جنوب المبنى.

محطة مدائن صالح: تقع شمال شرق العلا بنحو 25 كيلومتراَ، وهي من محطات درب الحجاج الشامي الكبيرة، وإحدى محطات السكة الحديد الرئيسة، ويحتوي الموقع على قلعة إسلامية قديمة في وسطها بئر الناقة، كما توجد بركة قديمة وخمسة آبار مطوية بالأحجار، وكذلك ستة عشر مبنى من مباني السكة الحديد قد بنيت بالحجر المشذب.

محطة العذيب: تقع جنوب محطة مدائن صالح بنحو 9 كيلومترات بوادي العذيب، والمبنى من الحجر المشذب، كما يوجد مبنى بالحجر فوق جبل على مسافة 2 كيلومتراَ شمال العذيب يعرف بموقع (قويع الترك).

محطة العـلا: تقع بوادي القرى بمدينة العلا، وهي إحدى المحطات الكبيرة على درب الحج الشامي وإحدى محطات السكة الحديد، ويحتوي الموقع على مدينة كبيرة قديمة محاطة بجدار شمال المدينة عبر الوادي، ويوجد بها عدة قنوات تمتد إلى عكمة حيث عيون الماء، كما توجد قلعة وبها قبر موسى بن نصير فوق جبل مرتفع يتوسط البلدة القديمة (حي الديرة بالعلا ).

محطة البدائع: تقع جنوب شرق العلا بنحو 16 كيلومتراَ، وتشتمل على أطلال مدينة إسلامية وبها بعض البقايا المعمارية، وتنتشر بها بعض قطع الفخار الإسلامي المبكر ترجع إلى القرن الثالث والرابع الهجري، بالإضافة إلى بعض القطع الإسلامية الفخارية والزجاجية المتأخرة، كما يقع بالجنوب الشرقي منها محطتي مشهد وسهل مطران.

محطة زمـرد: تقع جنوب شرق سهل المطران بنحو 20 كيلومتراً، ويوجد شمال شرق المحطة بنحو 4 كيلومترات قلعة مربعة يتوسطها فناء مكشوف بعد بئر مستطيل المقطع (2 x1 متر) تعرف بقلعة زمرد، ويوجد بئر شمال القلعة بنحو 20 متراً وقطره 6 أمتار وعمقه نحو 11 متراً، كما توجد بركة تقع جنوب شرق القلعة بنحو 3.5 كيلومتراً وهـي مستطيلة الشكل أبعادها (17x 15.5 متراً).

محطة هديــة: تقع إلى الجنوب الشرقي من محطة المدرج بنحو 20كم، كما يوجد شرق المحطة بنحو 3كم قلعة أثرية دائرية الشكل وأخرى مهدمة ومربعة الشكل، كما تقع ستة محطات صغيرة أخرى في اتجاه الجنوب الشرقي حتى المحطة النهائية بالمدينة المنورة، وهي عبارة عن محطات قطار قديمة مشيدة من حجارة سوداء ضخمة.

محطة المدينة المنورة:وتسمى ( الإستصيون) هي المحطة النهائية لخط سكة حديد الحجاز وأهم المحطات الرئيسة، وتشتمل على مجموعة مباني من الحجر الأسود بطول حوالي 600 متراً وعرض حوالي 400 متراً، وقد تم تجديدها هذا العام وأصبحت مقرا لمتحف المدينة المنورة العالمي كما يوجد بالمدينة المنورة ستة محطات أخرى صغيرة وهي (مخيط - حفيرة - بواط - بوير - اسطبل عنتر - أبو النعم) وتقع تقريباً على مسافات متساوية كل 20 كيلومتراً.





image














تكلفة ومعدل إنجاز

تعد تكاليف الخط الحجازي من أقل تكاليف خطوط السكك الحديدية في الدولة العثمانية على الإطلاق رغم ضخامة وكثرة منشآته، فقد بلغ مجموع تكاليفه - بما في ذلك القطارات والعربات وسائر المباني على طول الخط - حوالي أربعة ملايين و283 ألف ليرة عثمانية.

كما تميزت معدلات الإنجاز في إنشاء الخط بارتفاع ملحوظ؛ إذ وصل متوسط معدل الإنجاز السنوي حوالي (182) كم وهو معدل مرتفع جدًا آنذاك،مقارنة بمعدلات الإنجاز الأخرى.

وقد وصل أول قطار إلى المدينة المنورة في (22 رجب 1326هـ 23 أغسطس 1908م) وأقيم الاحتفال الرسمي لافتتاح الخط الحديدي بعد ذلك بأسبوع ليصادف تولي السلطان عبد الحميد الثاني السلطنة.
نتائج الخط
أسدى الخط الحجازي خدمات جليلة لحجاج بيت الله الحرام؛ حيث استطاع حجاج الشام والأناضول قطع المسافة من دمشق إلى المدينة المنورة في خمسة أيام فقط بدلاً من أربعين يومًا، مع العلم أن الوقت الذي كان يستغرقه القطار هو (72) ساعة فقط، أما بقية الأيام الخمسة فكانت تضيع في وقوف القطار في المحطات وتغيير القاطرات.

وحشد الخط عاطفة المسلمين خلف شعار الجامعة الإسلامية، وهذا ما دفع السفير البريطاني في إستانبول ليؤكد أن عبد الحميد ظهر أمام ثلاثمائة مليون مسلم بمظهر الخليفة والزعيم الروحي للمسلمين حين مد سكة حديد الحجاز.

وساعد الخط الحجازي في نهضة تجارية واقتصادية لمدن الحجاز، وكافة المدن الواقعة على امتداد الخط، ومنها مدينة حيفا التي تحولت إلى ميناء ومدينة تجارية هامة، وكذلك المدينة المنورة. كذلك ظهرت مجتمعات عمرانية نتيجة استقرار بعض القبائل والتجمعات البدوية على جانبي الخط في بعض الجهات واشتغالهم بالزراعة.



ومن مظاهرة حركة العمران التي صاحبت إنشاء الخط إضاءة المدينة المنورة بالكهرباء لأول مرة، حيث ابتدأت إنارة الحرم النبوي الشريف يوم افتتاح سكة الحديد، وتم جعل المدينة المنورة محافظة مستقلة مرتبطة مباشرة بوزارة الداخلية العثمانية.

وقد استخدم الخط الحجازي في بعض الأغراض العسكرية، ولا يتنافى هذا مع كونه أنشئ أساسًا لأغراض غير عسكرية، فأسهم في توطيد سلطة الدولة في المناطق الثائرة في بعض المناطق في قلب الجزيرة العربية، ووفر حماية قوية للأماكن المقدسة في مكة والمدينة
.


image


تخريبه

استمرت سكة حديد الحجاز تعمل بين دمشق والمدينة المنورة ما يقرب من تسع سنوات نقلت خلالها التجار والحجاج، وخلع بعد ذلك السلطان عبد الحميد سنة 1909م ولم يتمكن من التمتع من ركوب قطاره الذي حلم به ، ثم اندلعت الحرب العالمية الأولى سنة 1914م ورأت تركيا الانضمام إلى المعسكر الألماني مما أدى إلى تراجع القوات التركية أمام القوات البريطانية .

ولكن بسبب وجود السكة الحديدية تمكن الأتراك من تعزيز أماكنهم في مناطق شتى خاصة في فلسطين ومن جانب آخر قامت الثورة العربية سنة 1916م بقيادة الشريف حسين فواجه مقاومة شديدة من الجنود الأتراك في المدينة المنورة وغيرها من المحافظات العربية بسبب وصول الإمدادات المتواصلة لهم عن طريق القطار ولهذا عمل الشريف على تخريب السكة لوقف هذه الإمدادات العسكرية وقد نجح في خطته وانتصرت ثورته.


يقول الشيخ علي الطنطاوي وهو يرثي لحال السكة الحديدية:وإذا كانت بقايا ديار الحبيب الذي راح تثير كل هذه المشاعر فأولى بذلك هذه المحطات القائمات وحدها في البراري.كل محطة خالية خاوية من محطات خط الحجاز قصيدة من الأركان والجدران لا تحتاج إلا إلى من يترجم عنها بالألفاظ والأوزان ، فغطوا أقلامكم بدموعها ، واجعلوها مداد ما تكتبون ، فإن كل لبنة في كل محطة تبكي، وكل نافذة مخلعة المصاريع وباب وما عليها باب.


image



محاولات تشغيل

كان الخط الحجازي يمر في أراضي الدولة العثمانية، وعقب انتهاء الحرب العالمية الأولى أصبح الخط يمر في أراضي أربع دول نتيجة لتغير الخريطة السياسية للشرق العربي الآسيوي وتفتيته إلى عدة دول وكيانات سياسية، وهي سوريا والأردن وفلسطين والسعودية، فسيطرت كل دولة على الجزء الذي يمر في أراضيها، وأيدت عصبة الأمم ذلك التقسيم على يد القانوني السويسري "أوجين بورل" سنة (1344هـ 1925هـ )
وتعددت محاولات إعادة الحياة لهذا الخط الحجازي، ومنها عقد مؤتمر في الرياض سنة (1375هـ 1955م) جمع سوريا والأردن والسعودية، ولم توضع قراراته موضع التنفيذ، وتوقف العمل بالمشروع، وبعد أحد عشر عامًا من نسيان المشروع، تشكلت لجان وعقدت اجتماعات وصدر مرسوم بتشكيل هيئة عليا للخط الحجازي من وزراء المواصلات في البلدان الثلاث لكن لم تظهر أية بوادر واقعية لتشغيله.

وفي عام (1399هـ 1978م) تم الاتفاق بين البلدان الثلاثة على إنشاء خط عريض جديد يربط بين هذه الأقطار، ووضعت دراسات المشروع، ووقع الاختيار على شركة "دوش كنسول" لتحضير دراساته وخرائطه، وكانت نتيجة الدراسات إيجابية، فتوالت اجتماعات اللجان واعتمدت قرارات بأن تنفذ كل دولة من الدول الثلاثة على نفقتها الجزء الذي يمر في أراضيها الذي لم ينفذ إلى يومنا هذا . وأرجو أن نرى هذا الحلم وقد تحقق قريبا.

تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 3050


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


صحيفة الباحة اليوم
مساحة إعلانيه

التعليقات
39004 ابو سعود 10-22-1433 10:18 AM
عذراً فالتعليق خارج عن المنشور بجريده الباحه فاستميح منكم العذر لكي أقول

أن المؤسسة العامه للخطوط الحديديه حقيقة لم تأخذ حقها من التغطية الإعلامية الجيدة وكثير ما تصور القطار السعودي على أنه قطار لن يتطور ولن يطال نصيبه من التحديث والإسراع في مواكبه كل جديد في مجال الخدمات بالسكك الحديديه .

قطارنا السعودي يعد العدة ويسابق الزمن لكي يكون علامة فخر للأجيال القادمة بإذن الله فنحن المواطنون ننتظر وبكل شوق أن يكتمل مشروع قطار الحرمين وربطه مع درة العروس جده وكذلك ربط الساحل الشرقي مع الساحل الغربي

مروراً بعاصمة مملكتنا الغاليه الرياض وسوف يكون أيضاً قطار المشاعر المقدسة بمكة المكرمة معلم من معالم المدينه المقدسة شرفها الله .

لابد أن نكون متفائلين بالمستقبل القريب لهذه المشاريع العملاقه ومنها تطوير وتوسيع خطوط السكة الحديد التي سوف نفخر بها كجيل حالي وجيل قادم من بعدنا بإذن الله

يا بلادي واصلي درب المسيرة

واصلي يسلم لنا صقر الجزيرة
3.50/5 (9 صوت)


39009 k9 10-22-1433 12:10 PM
رائع جدا تقرير في غاية الجمال والروعه
4.44/5 (5 صوت)


39179 ابوالفيصل 10-25-1433 09:01 AM
مشكور على التقرير المتميز
4.03/5 (8 صوت)


39591 تركي 11-04-1433 03:36 PM
ياليت يتم إعادة بناء خط قطـــار الحجاز ، حلم اتمنى ان يتحقق .
3.47/5 (6 صوت)


/10 ( صوت)
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.