الأربعاء 23 شوال 1440 / 26 يونيو 2019

10-07-1440 07:23 PM

لم يكن يوم السادس من شوال هذا العام يومًا
عابرًا في تاريخ القيادة التربوية ؛ فعند عتبته انطفأ سراج وتوشحنا السواد ؛ ترجل عن صهوة التربية قائد فذ وعبقري نادر ؛وفقدنا رمزًا وطنيًا مخلصًا وقائدًا تربويًا مؤثرًا .

بألم الفقد الموجع وحزن الفراق على الرحيل المر الذي يخترق حنايا الروح أكتب عن أخي وصديقي الأستاذ عبدالله الثقفي .. نعيش لحظة فراقه بين حدي الرضى بالقضاء والقدر والذهول من مباغتة الأقدار ..
فالموت كعادته لاينتظر
كم هو عجولٌ ومباغت !
لانملك مع وقوعه إلا ترديد ( إنا لله وإنا إليه راجعون ) .. والحمد للمولى على قضائه وقدره
نتضرع بالدعاء للمولى بأن يجعل قبره روضة من رياض الجنة وأن يسبغ عليه شآبيب الرحمة .

مواقف كثيرة جمعتني بالراحل الكبير ، صور وعبر .. عواطف ومواقف مكابدة ومجاهدة عاشها فقيدنا على مدار ٣٧ عاما كلها تجسد في مخيلتي صورة المربي الفاضل والإداري المحنك والقائد الملهم ..

أول تلك المواقف كانت حين انتقلت للعمل معلمًا في تعليم جدة وتم توجيهي لمجمع الأمير سلطان وصادف حينها أن المجمع لم يُفتتح بعد ، اتجهت إلى مركز الإشراف التربوي بشمال جدة حينها كان الراحل مديرًا للمركز فاستقبلني استقبالا يليق بمسؤول يعي دوره ومكنني من العمل في المركز .. وكان ذلك الاستقبال محفزاً جميلاً للعمل في بيئة مثالية.

انقطعنا بعدها لفترة من الزمن بحكم تفرغه للدراسات العليا بجامعة أم القرى وحين عودته من دراسة الماجستير تم تكليفه مساعدًا للشؤون التعليمية بتعليم جدة فيما كنت قد التحقت بالعمل الإشرافي وهذا أتاح لي فرصة العمل بالقرب منه ، وقد كان - يرحمه الله - مدرسة في العمل الإشرافي بما يملكه من خبرات عريضة وحس تربوي وإنساني راقي وقد لمسنا في توجيهاته الحس التربوي العالي والنموذج المضيء للتربوي الحق الذي يصدِّر لفريق العمل القيم الإنسانية والوطنية في المواقف المختلفة التي كانت تعكس سمو النفس وروح القيادة بعدها تم تكليفه مديرًا للتعليم ..

ولن أنسى دعمه ولا توجيهاته ولا كريم خلقه وكيف لي أن نسى تجربة عظيمة كان لها أثرها في تكويني القيادي!

لازلت أتذكر ما قاله لي حين أراد تكليفي مديرا للتخطيط المدرسي حين اجتمع بي وقال (ثقة فيك سأجعلك مكان الأستاذ عبدالحميد تقي وقد كان الزميل عبدالحميد خبيرا تربويا وقريبا من الأستاذ عبدالله ) استلمت العمل وفي ذهني التركة الثقيلة وحجم المسؤوليات التي سأضطلع بها ومعها كانت توجيهات الفقيد ومتابعته وثقته وحسن إدارته عونا لي -بعد عون الله - على القيام بهذه المهمة وحين دمجت إدارتي تعليم البنين والبنات كلفني يرحمه الله بالعمل أمينا للإدارة وهذا الموقع أتاح لي مزيدا من فرص الاحتكاك
مباشرة به حيث كنت قريبا منه في الاجتماعات وترشيح القيادات وعمليات التدوير ورأيت فيه القائد الذي يتحرى الحكمة ويمتلك الرؤية الواسعة والروية في اتخاذ القرارات ووجدت في شخصه سمات الهدوء وعدم التسرع، قراره مبني على المعلومة الدقيقة ، وكان رجلا يحسن الظن في فريق عمله كما امتلك القدرة الفائقة على الفصل التام بين العلاقات الإنسانية وبين متطلبات العمل .

وقد رافقت الراحل الكبير في زيارات ميدانية لرابغ وثول وخليص وكانت تلك الزيارات معينا لاينضب من الخبرة المباشرة والمواقف التربوية الغنية ، فقد رأيت كيف كان يرحمه الله مثالا في تلمس الإيجابيات والثناء الصادق على الإنجاز والابتسامة الصادقة وتثمين الجهود ، وللحق فقد كانت الاجتماعات الإجرائية الأسبوعية كل يوم أثنين من كل أسبوع بمثابة المكنز من الخبرات التربوية سواء في إدارة الاجتماعات أو الطرح التربوي الرصين والرصد الميداني الحي ، حيث كان عاشقا للعمل وقريبا من الميدان ويحمل التقدير العالي للقيادات التعليمية والمدرسية قادر على التواصل الإيجابي مع الجميع حريص على بث الروح الإيجابية في أوساط قادة المدارس كواحد من أهم مكونات العمل التربوي.
أما المحطة الأهم والأكثر ثراءً فكانت حين كلفت مديرًا لإدارة الإشراف التربوي بتعليم جدة وقد اجتمع بي يرحمه الله وتحدث معي بعبارات محفزة كانت وقودا للعمل في الإشراف التربوي حين قال (لقد تم تكليفك بهذا الموقع لأنك خبير في العمل الإشرافي وانا أحتاج لمن يكون خبيرا في هذا الموقع كون الإشراف التربوي هو القلب النابض للإدارة وهو روحها) عليَّ أن أعترف بفضله فقد دعمني كثيرا وتابع معي كل التفاصيل وكافة مجريات العمل كان عونا-بعد توفيق الله- في أداء المهمة التي كلفني بها.

ماذا سأتذكر.. وماذا سأقول؟

فالأستاذ عبدالله الرجل الإنسان العملي الجميل أخلاقا المبتسم .. الجاد حين الجد الحازم حين الحزم اللين وقت اللين، القائد الذي يتمتع بجَلَدٍ نادر المحب لرؤسائه العطوف على زملائه صادق النوايا.. الوطني الحق .

حين تم استدعائي من الوزارة للعمل القيادي كانت اجتماعاته معي ووصاياه قبل وبعد المقابلة دروسا ذهبية ونبراسا أستحضره في كل حين لتعينني على العطاء آخر لقاءاتنا كان في عنيزة وآخر تواصل كان في الخامس والعشرين من رمضان الفائت وجرى بيننا حديث شيق آسر مليئ بالآمال العظيمة التي تملأ روحه وتستوطن هواجسه من أجل المهمة النبيلة التي نذرنا أنفسنا لها والمرحلة التي تتطلب الكثير من العطاء للوطن ..

الأستاذ عبدالله الثقفي يشهد له زملاؤه بحبه للخير وإقباله على كل مايقربه منه ولَكَم كان يوصينا الراحل الكبير باستيعاب الناس والتأني في خدمة المستفيد والحرص على إنجاز العمل وقضاء حوائج الناس والتبسم في وجوههم خصوصا حين يكون العمل في أوقات الذروة ..

رحل الرجل الجميل فكرا وخلقا وعملا ..
رحل الرمز الوطني الصادق وجميعنا راحلون ..

لكن الاستاذ عبدالله الثقفي سيبقى صفحة ناصعة البياض .. وسيبقى فينا أثره الذي لايزول .. وستدوم فينا سيرته العطرة ..

وداعاً أبا أحمد ..

وإنا على فراقك لمحزونون ..

--------------------------------
علي بن محمد الجالوق ـ مدير التعليم بمحافظة المخواة

تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 770


صحيفة الباحة اليوم
مساحة إعلانيه

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


التعليقات
117699 فاطمة البرتاوي 10-09-1440 08:25 AM
صحيح "رحل الرجل الجميل فكرا وخلقا وعملا
رحل الرمز الوطني الصادق وجميعنا راحلون .....
رحمه الله رحمة واسعة ، وهنيئآ له هذا الاثر الطيب. تأثرنا بوفاته حتى وإن لم نتعامل معه كعمل ولكن ماصنعه لتعليم جدة من تميز وإبداع ينم عن شخصية قيادية نسأل الله أن يكون جميع ماقدم في موازين حسناته ويجزيه خير الجزاء.

[فاطمة البرتاوي]
0.00/5 (0 صوت)


117746 أبو علي 10-16-1440 12:27 PM
رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح الجنات وجزاك خيراً .
وما أجمل التعبير الصادق عن رجل قدير سيبقى كما قلت صفحة ناصعة البياض كبياض قلبه صافية كصفاء نفسه ..
فمثل هذه الشخصيات الوطنية المخلصة سيظل أثرها واضحاً وتستمر ذكراها دوماً . تغمده الله بواسع رحمته .

[أبو علي]
0.00/5 (0 صوت)


علي بن محمد الجالوق
علي بن محمد الجالوق

تقييم
6.00/10 (4 صوت)

حتووم ديزاين , ديموفنف , انفنتي , مصمم حتوم , مصمم حاتم غبن , تصميم استايل ديموفنف , مختص ديموفنف , h7d7 , hatoom , حتوم , حاتم غزة , حاتم فلسطين , مطلوب تصميم استايل ديموفنف
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.