الخميس 29 ذو الحجة 1435 / 23 أكتوبر 2014


الوطن

المقالات » كتاب اليوم » تباً لمن قتل أشواقي !
تباً لمن قتل أشواقي !
10-29-1434 05:47 AM

لي أسرةٌ ممتدة يتجاوز عدد أفرادها المائتين وخمسين فرداً لم يكن لي دور في اختيارهم أو انتقائهم بل هو القدر المحض ولا غير القدر الإلهي الذي كان سبباً في انتمائي لها كما هو الحال تماماً فلم يكن دور في اختيار لون بشرتي أو طول قامتي وفوق عدد الأسرة الممتدة أستطيع أن أزيد عليه نصفه أو ثلثه من الأصهار الذين ربطتنا بهم الأقدار ثم الاختيار حسنه وسيئه أما الأصدقاء فقليلٌ ما هم لأن صفات الأصدقاء عزيزة و معادنهم نادرة وأحرص أشد الحرص على انتقاءهم بعناية واصطفائهم باهتمام وفق معايير عالية لأني أؤمن أنني حينما أختارهم أختار صفاً من صفوف جنازتي أما الأصحاب والزملاء الذين لا يرتقون لدرجة الأصدقاء و لا يصلون منزلة الأخلاء فحدث ولا حرج فهم كثيرون ينتمون لبلدان مختلفة وأصقاع متفرقة وأعراقً متنوعة عرفتنا بهم فصول الدراسة وفصول الحياة وجمعتنا بهم موائد الكرام ومواقف اللئام وصنفٌ أخير أقل من القليل هم أعداء اضطررنا اضطراراً للتعامل معهم تحت وطأة الحاجة الماسة والضرورة الملحة وهم الصنف الذين ألمح إليهم الشاعر بقوله :

ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى .......عدواً له ما من صداقته بدُّ

كل أصناف الناس الذين أشرت إليهم يمثلون رصيدي من العلاقات الإنسانية بعموم محاسنها ومساوئها وبحكم الأواصر المتعددة والوشائج المتباينة فإني كنت أحرص أشد الحرص على التواصل مع الجميع بصفة دورية كل بحسب قربه ومكانته و بما تقتضيه العلاقة والحدث وبما يمليه الواجب فصلة الرحم فرض وصلة الأصحاب محمودة وحفظ الفضل لأهل الفضل مروءة وشهامة أما المواجدة وتقاسم المشاعر في الأفراح والأتراح فأساس للنبل ومقياس للوفاء.

عدد غير قليل من أفراد الأطياف الاجتماعية السالفة الذكر قريبون جداً إلى نفسي ولقربهم فإني كنت أتواصل معهم باستمرار يحدوني شوق فتاك و يدفعني توق أخاذ وحميمية لا توصف فلا تشبع منهم نفسي ولا تمل أحاديثهم أذني فكم أحرص على لقاءهم فإن لم يكن اللقاء فالمحادثة وقبل هذا كله فبيني وبينهم اتصال مجاني دائم بحديث النفس ووحي القلب ولا أبالغ أنني أخاطر بعضهم مخاطرةً عن بعد كما خاطر عمر سارية على الجبل أما حين يحدث اللقاء مع أحدهم فلا تسألوني عن دفء المشاعر وحرارة اللقاء ونشوة العناق ثم يعقبها أحاديث المحبين التي أنصت لها بإصغاء و أتأمل تقاسيم الوجوه كأني أراها للمرة الأولى و أسأل عن تفاصيل في شئون الحياة بعضها مكرور إلا أني أجتر القديم وامزجه بالجديد فأسعد بكل خبرٍ يسر و أتألم لكل حدثٍ يضر.

في كل عام كنت أضع بند زيارة الأصدقاء والأحباب مكسباً فعلياً ومعياراً أساسياً عندما أعمد إلى تقييم نفسي عن مدى استثماري لإجازتي السنوية التي دأبت على تخصيص جزءاً منها للزيارات وترميم العلاقات إلا هذا العام فالوضع مختلف تماماً فحنيني بدأ في التراجع و شوقي أخذ في الانحسار والمشاعر كذلك في تلاشٍ وانكسار.

الذين كنت أشتاق إليهم أتى بهم مقرب البعيد ومبعد القريب وصانع المجموعات ومفرق التجمعات أعني برنامج التواصل الشهير ( الواتس آب ) حيث قدمهم لي في جهاز أسموه مجازاً بالذكي وإن كنت أشك في ذكاءه تاراتٍ كثيرة من خلال شاشته الصغيرة التي تعرض الوجوه والمراسلات بل يسمعني أصواتهم أحياناً في وصلات صوتية قصيرة جعلتني أعيش معهم وأجدهم في متناولي في كل وقت و أينما ذهبت بعد أن كان حالي في اللوعة والاشتياق إليهم كحال الشاعر المرهف الذي يقول :

ومن عجبٍ أني أحنَّ إليهمُ ...............وأسأل عنهم من لقيت وهم معي

وتطلبهم عيني وهم في سوادها........و يشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي

لم أجد دافعاً اجتماعياً أو باعثاً عاطفياً يدفعني لزيارة الكثيرين الذي كنت أحرص على زيارتهم كل عام حتى تهنئة العيد فللأسف كانت باهتة بحق من كلا الطرفين حيث عبرنا عنها بصمت غير مبرر من خلال صور صنعها غيرنا وعباراتٍ صاغها ورسمها الآخرون بعد أن كنا في زمن خلا لا نرى الرسائل القصيرة تكفي لتهنئة بعض النبلاء ولا تليق بمكانتهم بل حدث ما هو أدهى من ذلك عندما توفي قريب لأحد أصدقاءنا الكرام اكتفى أعضاء المجموعة بتقديم العزاء على هيئة رسائل ( واتسية ) جافة مجردة من المشاعر المصاحبة والأحاسيس الوجدانية حملت ابتهالات مكتوبة ومكذوبة في آن واحد لدرجة أن غالب أعضاء المجموعة قاموا بنسخ أول رسالة تعزية ثم قاموا بلزقها دون أن يكلفوا أنفسهم عناء الكتابة الذي هو أقل من عناء الاتصال الهاتفي الصوتي .

تأملت الأمر كثيراً وأدركت أنني وغيري شعرنا أم لم نشعر نقوم بتقديم ثروة طائلة وطاقة هائلة من المشاعر والأشواق والعواطف ضريبةً لهذه التقنية التي استهلكت أوقاتنا واستنزفت منا السمع والبصر و وأدت مشاعرنا واغتالت وشائجنا ولا أملك إلا أقول اللهم ألهمني رشدي وعوضني خيراً مما فقدت و تباً لمن قتل أشواقي.،،،،

م. عطيه الدوسي الزهراني

تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 997


مساحة إعلانية
صحيفة الباحة اليوم

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


التعليقات
60240 طارق 10-29-1434 04:01 PM
الحقيقة اعجبني سردك الرائع

لديك اسلوب جميل جعلني اكمل المقال حتى النهاية رغم اني لا احب قراءة اكثر مقالات الكتاب الا انك شددتني باسلوبك الرائع

استمر بهذا الاسلوب

[طارق]
5.00/5 (1 صوت)


60254 ابو قصي 10-30-1434 06:49 AM
مقال اكثر من رائع. يشرح ويختصر الكثير مما يحدث في مجتمعنا من تبلد في العلاقات والتواصل الاجتماعي.. تحياتي لك ولقلمك النقي كنقاء قلبك وقلب كل جنوبي عاش في جنبات جبال جنوبنا الغالي.

[ابو قصي]
5.00/5 (1 صوت)


م. عطيه الدوسي الزهراني
م. عطيه الدوسي الزهراني

تقييم
9.75/10 (3 صوت)

حتووم ديزاين , ديموفنف , انفنتي , مصمم حتوم , مصمم حاتم غبن , تصميم استايل ديموفنف , مختص ديموفنف , h7d7 , hatoom , حتوم , حاتم غزة , حاتم فلسطين , مطلوب تصميم استايل ديموفنف
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.